علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

37

البصائر والذخائر

موافقتك النهي ومجانبتك الأمر ، وقبيح بك أن تركب ما تركب جاهلا بالحجّة ، حتى إذا تمّ ركوبك ، وتقضّى عليه زمانك ، وعلاك النّدم ، ولزمك التعقّب ، أحلت أمرك على علمه فيك وإرادته بك . هلّا وقفت عن قبول أمره وسماع نهيه حين أمر ، ونهى وزجر ، ودعا وبيّن ، وهلّا قلت : إلهي ، لم تزح علتي بما أعرتني من القوة ، وخلقت فيّ من الطاقة ، وأسلفتني من التّمكين ، وعرّفتني من الأخبار ، فأنا « 1 » صائر مع هذا كلّه إلى ما أنت عالم به ؛ ومتى فعلت هذا وقلته ، علم العقلاء أنّك متجنّ ، لا تحبّ صلاحا ، ولا تتّقي فلاحا ، وأنك مقترح اقتراحا ، إن صحّ لك سقط عنك لسان الأمر والنّهي ، وزال باب المدح والذم ، واستغني عن الثواب والعقاب ، وكنت جمادا لا تخاطب ولا تعاتب ، وعريت من جلباب معرفة اللّه عزّ وجلّ ، وجهلت نعم اللّه عندك ، وعميت عن حكم اللّه تعالى فيك ، ومن بلغ هذا المكان أسقط عن مكلّمه مئونة البيان ، وعن نفسه كلفة التبيين ، وكان في عداد الجاهلين باللّه ، السّاخطين لنعم اللّه ، المتعرّضين لعقاب اللّه تعالى . فافتح - حفظك اللّه - بصرك ، وانتصف من هواك ، وفارق إلفك ، وتنزّه عن تقليدك ، وحص عن المعرفة ، لائذا باللّه تعالى ، مستعينا به ، فهو وليّ خلقه ، ناصر اللاجئين إليه . واعلم أنّ اللّه خلقك ، ورزقك وكمّلك ، وميّزك وفضّلك ، وأضاء قلبك بالمعرفة ، وفجّر فيك ينبوع العقل ، ونفى عنك العجز ، وعرض عليك العزّ ، وبيّن لك الفوز ، بعد أن وعدك وأوعدك ، وبعد أن وعظك وأيقظك ، وبعد ما حطّ عنك ما أعجزك عنه ، وأمرك بدون ما أقدرك عليه ؛ وإنما حاشك بهذا كلّه إلى حظك ونجاتك ، وعرّضك به لسعادتك وخلاصك . أفتجسر من بعد هذه النعمة المتوالية ، وهذه الآلاء المتتالية ، أن تتوهّم أنه اقتطعك عن مصلحتك أو بخل عليك برأفتك ؟ إنّ هذا لا يظنّ بوالدك الذي نسبته إليك عارية ، وإضافتك

--> ( 1 ) ص : أنت ، ولا يتسق المعنى بها .